70 متراً تفصلها عن الحدود المصرية.. قاعدة عسكرية صهيونية جديدة على ساحل رفح

- ‎فيتقارير

تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي  رسائل من صهاينة يفخرون بقاعدة عسكرية أقامها الاحتلال على الحدود مع مصر في  شرق سيناء بمدينة رفح الفلسطينية ويتوعدون باستعادة المدينة وما يشكله ذلك من تهديد للأمن القومي المصري وهدما للاتفاق المهدوم أساسا كامب ديفيد التي كبلوا بها مصر.

وارتبط الكشف عن الموقع بمقطع فيديو ظهر فيه أحد أعضاء منظمة «نحالا» الاستيطانية على ساحل رفح، متحدثاً عن العودة إلى المنطقة وإقامة ما وصفه بـ«رفح اليهودية».

وقال المستوطن في الفيديو: "صباح الخير يا بحر رفح، إنه لأمر مؤثر للغاية.. اليوم بعون الله، ستُبنى رفح اليهودية.. سنعود إلى هذا البحر بقوة أكبر".

ونشر الصحفي آفي شارف من صحيفة «هآرتس» المقطع، الذي أظهر المنشأة العسكرية في خلفية المشهد.

ويجمع هذا التطور بين التوسع العسكري للاحتلال في المنطقة الحدودية، والنشاط الاستيطاني الذي يستهدف إعادة تشكيل الوجود السكاني والعمراني في قطاع غزة، خصوصاً في المناطق القريبة من الحدود المصرية.

واقع أمني جديد

وحذّر الباحث والمحلل في الشئون العسكرية والاستراتيجية محمود جمال @mahmoud14gamal من دلالات إنشاء القاعدة الجديدة، مؤكداً أن المسافة المعلنة بينها وبين الحدود المصرية ليست خطأ في الكتابة.

وكتب في أكتوبر الماضي  "70 مترًا ليس خطأ كتابة….. كشفت صور أقمار صناعية وتحليل بصري، عن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بالقرب من ساحل البحر المتوسط وعلى مسافة لا تتجاوز 70 مترًا من الحدود المصرية".

وفي رسالة وجهها إلى المعنيين في مصر، كتب: "كشفت صور أقمار صناعية وتحليل بصري لمقطع فيديو متداول، عن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بالقرب من ساحل البحر المتوسط وعلى مسافة لا تتجاوز 70 مترًا من الحدود المصرية. وهذا أمر له أضرار بأمن مصر".

وربط جمال بين القاعدة الجديدة وسلسلة تحركات عسكرية سابقة للاحتلال، تبدأ بالسيطرة على محور صلاح الدين، ثم السيطرة على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، وإعلان المنطقة الحدودية مع مصر منطقة مغلقة، وصولاً إلى إقامة المنشأة العسكرية الجديدة، معتبرا أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن بعضها عند دراسة التغيرات التي طرأت على الواقع الأمني على الحدود المصرية.

نتنياهو يعلن مناطق عازلة على حدود مصر

تزامنت التحركات العسكرية على ساحل رفح مع توجه أعلنه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن إقامة مناطق عازلة وحواجز أمنية على حدود الكيان مع لبنان وسوريا والأردن ومصر، إضافة إلى قطاع غزة.

ويأتي هذا التوجه ضمن عقيدة أمنية جديدة تتبنى توسيع نطاق الإجراءات العسكرية والاحترازية خارج الحدود، بما يثير تساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات التي يسعى الاحتلال إلى فرضها في محيط الدول المجاورة.

وفي الحالة المصرية، تتصل هذه التطورات بوجود قوات الاحتلال في محور فيلادلفيا، والسيطرة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، وإقامة مواقع عسكرية وتحصينات جديدة بالقرب من الحدود.

وربط @mahmoud14gamal هذه التحركات بمسار تدريجي لتغيير الواقع الأمني، معتبراً أن تراكم الوقائع الميدانية يفرض على القاهرة إعادة تقييم انعكاساتها على الأمن القومي المصري.

صحيح مصر

وكان تحقيق لموقع "صحيح مصر"، قد كشف استناداً إلى تحليل مقطع فيديو وصور الأقمار الصناعية، عن إنشاء قاعدة عسكرية جديدة للاحتلال على ساحل مدينة رفح الفلسطينية جنوب قطاع غزة، فوق أنقاض القرية السويدية، وعلى مسافة لا تتجاوز 70 متراً من الحدود المصرية.

وتأتي المنشأة الجديدة بالقرب من نقطة التقاء محور صلاح الدين، المعروف بمحور فيلادلفيا، مع ساحل البحر المتوسط، في تطور يفتح ملف الوجود العسكري للاحتلال على الحدود المصرية، وانعكاساته على الأمن القومي المصري والترتيبات الأمنية المنبثقة عن اتفاقية كامب ديفيد.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، في تحقيق نشرته يوم 23 يوليو 2026، إنشاء موقع عسكري للاحتلال على أنقاض القرية السويدية، بمحاذاة الشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة.

وحددت الجزيرة أبعاد الموقع بنحو 110 أمتار طولاً و85 متراً عرضاً، كما رصدت بالتزامن إنشاء ساتر ترابي جنوبي القطاع يمتد لمسافة تتجاوز كيلومترين ونصف.

من التجريف إلى التحصينات

وتظهر صور الأقمار الصناعية التي استند إليها تحقيق «صحيح مصر» أن القرية السويدية كانت تضم تجمعاً عمرانياً على ساحل البحر المتوسط، قبل أن تتعرض للتجريف والتدمير خلال الحرب على قطاع غزة.

وبحلول فبراير 2026، كانت الكتلة العمرانية قد أزيلت، فيما أظهرت صور 18 يوليو أرضاً مجرفة بالكامل تقريباً، دون اكتمال المنشآت العسكرية.

وفي 23 يوليو ظهرت قواعد خرسانية لمنشأة مركزية، ثم اتضحت معالم المبنى في 25 يوليو، قبل أن تظهر في صور 2 أغسطس منشأة رئيسية تحيط بها سواتر رملية وتحصينات.

وفي متابعة نشرتها الجزيرة يوم 4 أغسطس 2026، ظهرت مراحل إضافية من تجهيز الموقع، شملت تعبيد الطرق والساحات وإقامة التحصينات والبنية التحتية.

وتشير هذه المشاهد المتتابعة إلى انتقال الموقع من مرحلة التجريف والإنشاء إلى تجهيز منشأة عسكرية ذات بنية أكثر استقراراً، تضم تحصينات ومرافق ونقاط مراقبة.

كامب ديفيد والمنطقة «د» والقيود على الانتشار العسكري

تعود الترتيبات الأمنية المنظمة للوجود العسكري على الحدود المصرية إلى معاهدة السلام الموقعة في 26 مارس 1979، وملحقها الأمني الذي قسم المناطق الحدودية إلى أربع مناطق، هي «أ» و«ب» و«ج» و«د».

وتقع المناطق «أ» و«ب» و«ج» داخل الأراضي المصرية، بينما تقع المنطقة «د» على الجانب المقابل وفق الخرائط الملحقة بالمعاهدة.

وتحدد المادة الثانية من الملحق الأمني طبيعة القوات المسموح بها في المنطقة «د»، بحيث لا يتجاوز الوجود العسكري أربع كتائب مشاة بإجمالي 4 آلاف جندي، و180 ناقلة جنود مدرعة، مع قيود على نوعية الأسلحة والتسليح، تشمل حظر الدبابات والمدفعية والصواريخ المضادة للطائرات، باستثناء الصواريخ الفردية المحمولة على الكتف. وتتضمن المعاهدة آليات لمراجعة الترتيبات الأمنية وتعديلها بالاتفاق المتبادل بين الطرفين.

وهنا تبرز نقطة قانونية مهمة: وجود القاعدة الجديدة داخل قطاع غزة لا يكفي وحده لتصنيفها ضمن المنطقة «د»، إذ يتطلب ذلك مطابقة موقعها على الخريطة الأصلية الملحقة بالمعاهدة. كما أن تقييم مخالفة الترتيبات الأمنية يتطلب تحديد طبيعة المنشأة والقوات والأسلحة الموجودة فيها، ومقارنة ذلك بالنصوص والخرائط والتفاهمات اللاحقة.

لكن إقامة مواقع عسكرية وتحصينات جديدة في رفح، واستمرار الوجود العسكري للاحتلال على محور فيلادلفيا، يفتحان ملف الالتزامات الأمنية التي حكمت الحدود منذ توقيع المعاهدة.

النص الكامل لمعاهدة السلام وملحقها الأمني لدى الأمم المتحدة.

اتفاق فيلادلفيا عام 2005.. كيف انسحب الاحتلال من المحور؟

في الأول من سبتمبر 2005، وقعت مصر والاحتلال ترتيبات أمنية خاصة بنشر قوة محددة من حرس الحدود المصري على الحدود في منطقة رفح، بالتزامن مع الانسحاب من محور فيلادلفيا.

ونص الاتفاق على نشر 750 فرداً من حرس الحدود المصري، موزعين على أربع سرايا، بمهام تتعلق بمراقبة الحدود ومكافحة التهريب والتسلل وتأمين الشريط الحدودي الممتد لنحو 14 كيلومتراً.

وتضمن الاتفاق تحديد الأسلحة والمعدات المسموح بها للقوة المصرية، وطبيعة انتشارها ومهامها، وآليات التنسيق بين الطرفين.

وكانت هذه الترتيبات جزءاً من عملية الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، ولم تكن تعديلاً مستقلاً لمعاهدة السلام لعام 1979، إذ نصت على خضوعها لأحكام المعاهدة الأصلية.

وبالتالي فإن عودة قوات الاحتلال إلى محور فيلادلفيا في مايو 2024، ثم استمرار وجودها العسكري وإقامة منشآت جديدة في المنطقة، أعادت فتح ملف الاتفاق الأمني لعام 2005، ومدى التزام الأطراف بالترتيبات التي صاحبت الانسحاب.

تفاصيل اتفاق حرس الحدود الموقع في سبتمبر 2005 – معهد واشنطن.

 

القاهرة والملحق الأمني

وفي تقرير نشرته الجزيرة في 4 يونيو 2026 عن التحصينات الجديدة في رفح، نقلت عن مصدر مصري رسمي أن القاهرة تتابع التطورات على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، وعلى رأسها الاتجاه الشمالي الشرقي.

وأكد المصدر أن مصر ملتزمة باتفاقية كامب ديفيد، وأنها لا تتجه في الوقت الحالي إلى تعديل الاتفاقية أو إلغائها، مع رفض أي مخالفات لبنودها أو للبروتوكول الأمني الملحق بها.

وأوضح أن القاهرة تقدم ملاحظاتها بشأن المخالفات إلى الجهات المعنية بمراقبة تنفيذ الاتفاقية، ضمن الأطر الرسمية المعتمدة.

كما تناول التقرير ما ذكره أستاذ العلوم السياسية والاستراتيجية طارق فهمي بشأن مطالب تل أبيب المتعلقة بتعديل الترتيبات الأمنية، والرفض المصري للمساس بالمعاهدة، مع وجود نقاش حول إمكان مراجعة البروتوكول الأمني الحدودي بشروط مرتبطة بالتطورات السياسية والميدانية.

ويكتسب هذا الموقف أهمية في ظل تزايد المواقع العسكرية للاحتلال بالقرب من الحدود المصرية، إذ يضع القاهرة أمام ملفين متداخلين: متابعة الالتزام بالاتفاقيات القائمة، وتقييم مدى ملاءمة ترتيباتها الأمنية للواقع الجديد.

الحدود المصرية أولى بالنقاش من إرسال القوات إلى الخارج

في تقديره للموقف، يطرح الباحث في المعهد المصري للدراسات محمود جمال @mahmoud14gamal ضرورة أن تكون التحركات العسكرية على الحدود المصرية موضع نقاش جاد داخل المؤسسات المعنية، بالتوازي مع مناقشة ملفات إرسال القوات المصرية إلى الخارج.

وكتب: "وطالما أن البرلمان المصري يناقش مسألة إرسال قوات إلى السعودية، إلى جانب القوات التي أُرسلت إلى دول الخليج، فإن التطورات على الحدود المصرية أولى بالمناقشة وتستحق بدورها نقاشاً جاداً، يتناول طبيعة التحركات الصهيونية وتداعياتها على الأمن القومي المصري، والخيارات المتاحة أمام الدولة المصرية للتعامل معها".

وأضاف أن هذا النقاش يجب أن يشمل إعادة تقييم اتفاقية كامب ديفيد وملاحقها الأمنية، وبحث مدى ملاءمة ترتيباتها للتطورات الحالية، وصولاً إلى مناقشة الخيارات السياسية والعسكرية والأمنية والقانونية المتاحة بشأن استمرار العمل بها.

كما أشار إلى أهمية متابعة هيئة الاستخبارات العسكرية، برئاسة اللواء شريف فكري، لتحركات الاحتلال وتقييم دلالاتها وتداعياتها المحتملة.

وقال: "فالتدرج في فرض واقع أمني جديد قرب الحدود المصرية يستوجب متابعة دقيقة، وتقديراً مستمراً للموقف، بما يضمن عدم تحول الإجراءات الصهيونية المتراكمة إلى أمر واقع يقيّد حرية الحركة المصرية أو يمس متطلبات الأمن القومي".

ويطرح جمال بذلك ملف القاعدة الجديدة باعتباره جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الترتيبات الأمنية المصرية، وليس مجرد تطور عمراني أو عسكري محدود في قطاع غزة.

رفح المصرية.. 12 عاماً على قرار الإخلاء والتهجير

بالتزامن مع التطورات على الجانب الفلسطيني من الحدود، أعادت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان @Sinaifhr التذكير بقرار رئيس مجلس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب رقم 1957 لسنة 2014، الصادر في 29 أكتوبر 2014، بشأن إخلاء وعزل المنطقة الحدودية في رفح المصرية.

وقالت المؤسسة، في منشور بتاريخ 29 أكتوبر 2026، إن آلاف المهجرين من رفح والشيخ زويد ما زالوا ينتظرون العودة إلى أراضيهم، فيما لم تحصل آلاف الأسر على تعويضات عادلة عن منازلها وممتلكاتها.

واستشهدت المؤسسة بالمادة 63 من الدستور المصري، التي تنص على: يحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم.

ونشرت المؤسسة مشاهد قالت إنها توثق تفجير منازل مدنيين في مناطق غرب رفح، بعد زرع عبوات ناسفة فيها وتفجيرها عن بُعد، خلال الفترة من 2017 إلى 2019.

وتتقاطع هذه القضية مع التحولات التي شهدتها رفح على جانبي الحدود، حيث تعرضت مناطق واسعة من المدينة المصرية لعمليات إخلاء وتدمير للمنازل، بينما شهدت رفح الفلسطينية عمليات تدمير وتجريف واسعة، أعقبها إنشاء مواقع عسكرية وتحصينات جديدة.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد وثقت في تقريرها الصادر في 22 سبتمبر 2015 تدمير ما لا يقل عن 3255 مبنى سكنياً وتجارياً وإدارياً ومجتمعياً في شمال سيناء بين يوليو 2013 وأغسطس 2015، وتهجير آلاف السكان.

كما تناول التقرير قرار 29 أكتوبر 2014، وما ترتب عليه من إخلاء منطقة عازلة واسعة في رفح، وأشار إلى مشكلات تتعلق بالإخطار والتعويضات وإجراءات الإخلاء.

تقرير هيومن رايتس ووتش: التهجير القسري في رفح المصرية.

الأمن القومي المصري ومستقبل الترتيبات الحدودية

تضع القاعدة العسكرية الجديدة، التي رصدتها صور الأقمار الصناعية على ساحل رفح، ملف الحدود المصرية أمام مجموعة من الأسئلة الأمنية والقانونية المتشابكة، تتعلق بطبيعة الوجود العسكري للاحتلال، ومدى توافقه مع الترتيبات الأمنية السابقة، ومستقبل محور فيلادلفيا، والآليات المتاحة للتعامل مع التحولات الميدانية.

كما تعيد التطورات طرح قضية المناطق العازلة والتحصينات العسكرية، ومدى ارتباطها بتوجهات حكومة الاحتلال المعلنة لإعادة تشكيل الواقع الأمني على حدودها مع دول المنطقة.

وفي هذا السياق، يطرح محمود جمال @mahmoud14gamal إعادة تقييم كامب ديفيد وملاحقها الأمنية، باعتبارها جزءاً من النقاش حول الخيارات المصرية في مواجهة التحولات الجديدة.

وتظل القضية مرتبطة بثلاثة ملفات رئيسية: الوجود العسكري للاحتلال في رفح ومحور فيلادلفيا، والالتزامات الأمنية الواردة في اتفاقيات 1979 و2005، وحق مصر في حماية حدودها وصون أمنها القومي وفق الأطر السياسية والقانونية المتاحة.