في خطوة تعكس أولوية المصالح الاستراتيجية على ملف حقوق الإنسان في العلاقة بين سلطة الانقلاب في مصر وواشنطن، أعلنت الإدارة الأمريكية مطلع أكتوبر الحالي إعفاء مصر من بعض الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان، بما يسمح بالإفراج عن نحو 320 مليون دولار من التمويل العسكري الأجنبي المخصص لمصر عن السنة المالية 2025.
وجاء القرار بتوجيه من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، استنادًا إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي الأمريكي وأهمية الدور المصري في التعامل مع أزمات المنطقة، ليعيد فتح النقاش حول حدود قدرة الملف الحقوقي على التأثير في السياسة الأمريكية تجاه القاهرة عندما يتعارض مع المصالح الأمنية والاستراتيجية لواشنطن.
وكان روبيو قد أشار في 21 سبتمبر الماضي إلى استخدام صلاحية الإعفاء التي يتيحها القانون الأمريكي في حالات محددة، بما يسمح بتجاوز بعض الشروط المرتبطة بالمساعدات عندما ترى الإدارة الأمريكية أن اعتبارات الأمن القومي أو أولويات السياسة الخارجية تقتضي ذلك.
وبذلك، فُتح الطريق أمام الإفراج عن الأموال التي كانت مرتبطة أصلًا بشروط حقوقية، في خطوة لا تعني قانونيًا إسقاط هذه المشروطية بصورة نهائية، لكنها تعني عمليًا تجاوزها في هذه الحالة لصالح اعتبارات أخرى.
ماذا يعني القرار؟
يحمل القرار دلالتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بالمقاربة الأمريكية لملف حقوق الإنسان، إذ يبدو أن هذا الملف لم يعد يحتل الموقع نفسه ضمن أولويات واشنطن في إدارة علاقتها مع القاهرة. فاستعمال صلاحية الإعفاء لا يعني التخلي الكامل عن الشروط الحقوقية، لكنه يعني أن الإدارة الأمريكية فضّلت، في هذه الحالة، اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية على تطبيقها بصورة مباشرة.
أما الدلالة الثانية فتتعلق بطبيعة الأموال نفسها؛ إذ إن الـ 320 مليون دولار لم تكن جزءًا من التمويل العسكري المتاح لمصر دون قيود، وإنما كانت مرتبطة بشروط ومتطلبات حقوقية أقرها الكونغرس.
وبالتالي، فإن اللجوء إلى الإعفاء يعني عمليًا أن القاهرة لم تستوفِ الشروط المطلوبة للإفراج عن هذه الأموال بصورة اعتيادية، ما دفع واشنطن إلى استخدام الصلاحية القانونية التي تتيح تجاوز تلك الشروط.
وهنا تكمن المفارقة: القرار لا يعني أن واشنطن لم تعد ترى مشكلات حقوقية في مصر، وإنما يعني أن هذه المشكلات لم تعد كافية، في هذه اللحظة، لتعطيل التمويل عندما تتعارض مع حسابات أمريكية أوسع.
حقوق الإنسان أمام المصالح الأمريكية
يعكس القرار جانبًا أساسيًا من طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتقدم ملف حقوق الإنسان عندما يتوافق مع المصالح الاستراتيجية، بينما يتراجع عندما يصبح التمسك به مكلفًا بالنسبة إلى واشنطن.
وتكشف التجربة الأمريكية مع مصر أن المسألة لا ترتبط بالضرورة بالحزب الموجود في البيت الأبيض، وإنما تتعلق بسقف محدد لا تتجاوزه الإدارات الأمريكية عندما تبدأ الضغوط الحقوقية في الاصطدام بمصالح الأمن والنفوذ والتحالفات الإقليمية.
وخلال إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن، استخدمت واشنطن أيضًا في 2024 آليات لتجاوز جانب من الشروط الحقوقية المرتبطة بالمساعدات العسكرية لمصر، مستندة إلى اعتبارات الأمن القومي والدور المصري في الوساطة بشأن الحرب في غزة، وذلك بعدما كانت الإدارة نفسها قد حجبت أجزاء من المساعدات بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.
وبذلك، اختلفت درجة الضغط والخطاب بين إدارة وأخرى، لكن بقيت المعادلة الأساسية حاضرة: يمكن لواشنطن استخدام المساعدات كورقة ضغط، لكنها تتراجع عن استخدامها عندما ترى أن كلفة الضغط تهدد مصالحها الأوسع.
لماذا تحتاج واشنطن إلى القاهرة؟
لا يمكن فصل القرار الأمريكي عن المكانة التي تحتلها مصر في الحسابات الأمريكية بالشرق الأوسط. فالعلاقة بين البلدين تتداخل فيها ملفات متعددة، تبدأ من الحفاظ على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وتمر بالتعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود والممرات البحرية، وصولًا إلى الدور المصري في إدارة الأزمات الإقليمية وملفات الوساطة ووقف إطلاق النار.
ولهذا لا تنظر واشنطن إلى المساعدات العسكرية المقدمة إلى القاهرة باعتبارها مجرد التزام تاريخي مرتبط بمعاهدة السلام مع إسرائيل، وإنما باعتبارها أيضًا استثمارًا طويل الأمد في الاستقرار الإقليمي والحفاظ على النفوذ الأمريكي في منطقة شديدة الاضطراب.
وتزداد أهمية القاهرة بالنسبة إلى واشنطن كلما تصاعدت أزمات المنطقة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة.
كما ربطت مذكرة أمريكية مؤرخة في الرابع من سبتمبر الماضي قرار تجاوز الشروط الحقوقية بالدور الذي أدته القاهرة في أعقاب الحرب مع إيران، ومساهمتها في جهود وقف إطلاق النار المرتبطة بالحرب في غزة، إلى جانب مشاركتها في مساعي الوساطة بالتعاون مع قطر وباكستان وتركيا، فضلًا عن الأهمية التي اكتسبتها الموانئ المصرية في التعامل مع بعض تداعيات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
وبهذه الحسابات، تصبح قدرة واشنطن على الضغط على القاهرة محدودة بسقف المصالح الاستراتيجية، إذ كلما ازدادت حاجة الولايات المتحدة إلى الدور المصري، ارتفعت الكلفة المترتبة على ممارسة ضغوط قد تهدد مستوى التعاون بين البلدين.
أوروبا.. شروط حقوقية ومصالح متشابكة
ولا تبدو المقاربة الأوروبية بعيدة بصورة كبيرة عن هذه المعادلة، وإن اختلفت الأدوات والدوافع. فالاتحاد الأوروبي يقدم دعمًا اقتصاديًا وماليًا كبيرًا للقاهرة، وكان أبرز مظاهر ذلك خلال السنوات الأخيرة حزمة الشراكة التي تصل قيمتها إلى نحو 7.4 مليار يورو للفترة من 2024 إلى 2027.
وتنظر أوروبا إلى مصر باعتبارها شريكًا مهمًا في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي، فضلًا عن المصالح الاقتصادية وملف الهجرة الذي أصبح أحد أبرز محددات السياسة الأوروبية تجاه دول جنوب المتوسط.
لكن الدعم الأوروبي، بخلاف المساعدات العسكرية الأمريكية، يرتبط رسميًا أيضًا بالتزامات سياسية وحقوقية، من بينها احترام سيادة القانون والآليات الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع إمكانية خفض أو تعليق بعض أشكال الدعم حال عدم الوفاء بالالتزامات المحددة.
غير أن المشكلة لا تكمن في غياب الشروط، وإنما في طريقة تفسيرها وقياس مدى الالتزام بها، فالقاهرة تشير إلى خطوات من بينها الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والحوار الوطني، ومراجعة ملف الحبس الاحتياطي وبعض الإصلاحات التشريعية والمؤسسية، باعتبارها مؤشرات على التقدم في هذا الملف.
في المقابل، ترى منظمات حقوقية مصرية ودولية أن هذه الإجراءات لم تحدث تحولًا جوهريًا على الأرض، وتؤكد استمرار مشكلات تتعلق بالحبس والقيود على المجال العام وحرية التعبير والعمل السياسي.
وهكذا، تبدو واشنطن وبروكسل مختلفتين في الأدوات، لكنهما تلتقيان في معضلة واحدة: وجود شروط حقوقية معلنة، مقابل حرص سياسي على عدم السماح لهذه الشروط بتهديد المصالح الاستراتيجية الأوسع مع القاهرة.
هل تتراجع الضغوط على القاهرة؟
خلال السنوات الماضية، لم تنجح الضغوط الأمريكية والأوروبية في إحداث تحول جذري في المشهد الحقوقي المصري، لكنها ظلت تمثل إحدى أوراق الضغط التي دفعت السلطات إلى إظهار قدر من المرونة، ولو بصورة جزئية أو شكلية في بعض الملفات.
لكن تجاوز واشنطن للشروط المرتبطة بجزء من المساعدات العسكرية يضعف هذه الورقة، ويرسل رسالة سياسية مفادها أن المصالح الاستراتيجية قادرة على تجاوز الخلافات الحقوقية عندما تصل إلى نقطة التعارض.
وهذا قد يمنح السلطات المصرية مساحة أوسع في التعامل مع المعارضة والمجال العام، خصوصًا إذا تراجعت لديها المخاوف من أن تتحول الانتقادات الغربية إلى كلفة سياسية أو اقتصادية مباشرة.
وتزداد حساسية هذا الأمر في ظل استمرار التضييق على الصحفيين والمعارضين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك توقيف ستة صحفيين يعملون في منصة "متصدقش"، وهي واقعة أثارت انتقادات حقوقية، كما تحدثت جهة الدفاع عن تعرض بعض الصحفيين للتعذيب أثناء التحقيق وانتزاع اعترافات قسرية منهم، إلى جانب ضغوط أخرى طالت داعمين ومتضامنين مع المنصة.
ولا يمكن إثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين قرار واشنطن بشأن المساعدات وبين هذه الإجراءات الداخلية، لكن تزامن المسارين يطرح تساؤلًا حول الرسالة التي يمكن أن تستخلصها القاهرة من تراجع فاعلية الاشتراطات الحقوقية الغربية.
اختبار جديد للملف الحقوقي
المسألة الأهم خلال المرحلة المقبلة لن تكون فقط ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل تجاوز الشروط الحقوقية، وإنما ما إذا كان هذا التوجه سيتحول إلى نمط مستقر في علاقتها مع القاهرة.
فإذا ترسخت لدى السلطة المصرية قناعة بأن أهميتها الاستراتيجية ودورها الإقليمي يمنحانها القدرة على تجاوز الانتقادات الغربية دون تداعيات مؤثرة على علاقاتها أو مساعداتها، فقد يتسع هامش الحركة أمامها في التعامل مع المعارضة والمجال العام.
وفي المقابل، يبقى الملف الحقوقي حاضرًا باعتباره أحد عناصر العلاقة مع واشنطن وأوروبا، حتى وإن تراجعت قدرته الحالية على فرض كلفة مباشرة على القاهرة.
وبذلك، يبدو أن المعادلة التي حكمت العلاقة خلال السنوات الماضية تتغير تدريجيًا: حقوق الإنسان لا تختفي من حسابات الغرب، لكنها تتراجع عندما تصطدم بالمصالح الأمنية والاستراتيجية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يؤدي هذا التحول إلى مزيد من التضييق على المجال العام المصري، أم أن واشنطن وأوروبا ستستخدمان أدوات أخرى للحفاظ على حد أدنى من الضغط الحقوقي دون المساس بالشراكة الاستراتيجية مع القاهرة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، شكل العلاقة بين المصالح الغربية والملف الحقوقي المصري خلال المرحلة المقبلة.