كيف تحولت مناجم المثلث المصري الليبي السوداني إلى مصدر لتمويل الدعم السريع؟ … ذهب السودان يشعل صراع الحدود

- ‎فيتقارير

 كشفت تحقيقات أممية دور تشكيلات موالية لحفتر في إمداد قوات حميدتي، وشبكات تهريب تنقل الذهب إلى مصر وليبيا وصولًا إلى دبي وإسطنبول، وسط اتهامات للطيران المصري بقصف منقبين سودانيين.

تحولت الصحراء الممتدة بين مصر والسودان وليبيا إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيدًا في الحرب السودانية، بعدما أصبحت مناجم الذهب وطرق التجارة والتهريب والإمداد العسكري جزءًا من معركة النفوذ بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع، وسط تداخل مصالح قوى مسلحة ليبية وشبكات تجارية إقليمية.

وفي قلب هذا الصراع، يبرز المثلث الحدودي عند جبل العوينات، الذي تحول من منطقة تعدين وتجارة صحراوية إلى ممر استراتيجي لنقل المقاتلين والوقود والمعدات العسكرية، ومركز لإنتاج الذهب وتداوله خارج القنوات الرسمية.

واكتسبت المنطقة أهمية استثنائية منذ يونيو 2025، عندما انسحب الجيش السوداني من مواقعه فيها، وسيطرت عليها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ "حميدتي"، وسط اتهامات سودانية لتشكيلات مسلحة موالية للقائد العسكري الليبي خليفة حفتر بالمشاركة في الهجوم.

ولاحقًا، كشفت نتائج تحقيق لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة عن دور تشكيلات مسلحة تنشط في جنوب شرق ليبيا في تسهيل وصول المقاتلين والوقود والمعدات إلى قوات الدعم السريع، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن شبكة المصالح التي تربط اقتصاد الذهب بتمويل الحرب السودانية.

وتزداد حساسية الملف بالنسبة إلى القاهرة، التي تُدعم وحدة السودان ومؤسساته الرسمية وتُحافظ على علاقات وثيقة مع الجيش السوداني، بينما تواصل في الوقت نفسه تعاونها الأمني والسياسي مع خليفة حفتر، الذي ترتبط بعض التشكيلات المتهمة بتسهيل إمدادات الدعم السريع بقواته.

ومع الغارات الجوية التي استهدفت منقبين عن الذهب قرب الحدود السودانية المصرية في 10 أكتوبر 2026، عادت المنطقة إلى واجهة الأحداث، وسط اتهامات للطيران المصري بتنفيذ الهجوم، وتضارب كبير في أعداد الضحايا، من دون حسم مستقل لهوية الطائرات المسؤولة.

 

المثلث الحدودي.. من سوق للذهب إلى ساحة للصراع العسكري

يقع المثلث الحدودي عند جبل العوينات، حيث تلتقي الحدود المصرية والسودانية والليبية في قلب الصحراء الكبرى.

ورغم الطبيعة القاسية للمنطقة وبعدها عن المراكز الحضرية، فقد شهدت خلال السنوات الماضية نشاطًا اقتصاديًا متزايدًا، قائمًا على التنقيب عن الذهب والتجارة الصحراوية ونقل البضائع بين السودان وليبيا.

وبحسب دراسة أعدها الباحثان أحمد سليمان وسليمان بلدو، ونشرها معهد «تشاتام هاوس» البريطاني، بدأ نشاط التنقيب عن الذهب في المنطقة نحو عام 2012.

وتحول سوق المثلث تدريجيًا إلى مركز لتجميع الذهب وتبادل السلع، وارتبط بشبكات تجارية تصل إلى سوق الخنّاق في الولاية الشمالية السودانية.

وفي تحقيق نشرته منصة «أتر» السودانية في 9 يوليو 2026، وصف التاجر عبد الجبار حسن العبيد طبيعة النشاط الاقتصادي الذي كان قائمًا قبل التحولات العسكرية.

فالشاحنات كانت تنقل المياه والمواد الغذائية ومستلزمات التعدين إلى مناطق التنقيب، ثم تعود ببضائع قادمة من ليبيا وأحجار الذهب التي تُنقل إلى طواحين الخنّاق لمعالجتها.

ووفرت هذه التجارة مصادر رزق لآلاف العاملين في النقل والتعدين والخدمات، بمن فيهم سائقو الشاحنات والحمّالون وأصحاب المطاعم ومحال التموين والصاغة.

لكن الحرب السودانية غيًرت طبيعة المنطقة، بعدما أصبحت السيطرة على المناجم والطرق المؤدية إليها جزءًا من الصراع العسكري والاقتصادي.

سقوط المثلث.. كيف سيطرت قوات حميدتي على المناجم؟

شهد يونيو 2025 تحولًا حاسمًا في موازين السيطرة على المثلث الحدودي، مع تقدم قوات الدعم السريع وانسحاب الجيش السوداني من مواقعه.

وبحسب تقارير ميدانية، سبقت سقوط المنطقة اشتباكات قرب جبل أركنو، بعد ورود معلومات عن دخول قوة موالية لحفتر مسافة تقارب ثلاث كيلومترات داخل الأراضي السودانية يوم 6 يونيو 2025.

وتحدثت الرواية السودانية عن مقتل جنديين ليبيين وأسر آخرين خلال المواجهات.

وبعد أربعة أيام، اتهم الجيش السوداني قوات حفتر بالمشاركة إلى جانب الدعم السريع في مهاجمة مواقعه، بينما نفت القيادة العسكرية الليبية هذه الاتهامات، واتهمت مجموعات متحالفة مع الجيش السوداني بمهاجمة دورياتها.

وانتهت المواجهات بسيطرة الدعم السريع على الجانب السوداني من المثلث، ما منح القوات منفذًا مهمًا نحو جنوب شرق ليبيا.

ولم تقتصر أهمية السيطرة على الموقع الجغرافي، بل امتدت إلى طرق الإمداد الصحراوية التي تسمح بنقل الوقود والمركبات والمقاتلين، إلى جانب التحكم في مناطق إنتاج الذهب والأسواق المرتبطة بها.

وأدى هذا التحول إلى اضطراب النشاط التعديني ونزوح أعداد كبيرة من العاملين، بعدما أصبحت المناجم خاضعة لسلطة قوة مسلحة تتولى تحديد شروط العمل والحركة.

 

مناجم تحت سيطرة المليشيا.. النهب والطرد وتقاسم الإنتاج

نقل موقع «دارفور 24» في أغسطس 2025 شهادات لمعدّنين تحدثوا عن تغير أوضاع العمل بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة.

وقال المعدّن محمد عثمان إن القوات طلبت من العاملين مواصلة التنقيب عقب دخولها المثلث، لكن أعمال نهب اتُّهم بعض عناصرها بتنفيذها دفعت مجموعات من المعدّنين إلى المغادرة.

وبحسب شهادته، استمر الإنتاج نحو 33 يومًا، قبل أن يتوقف عقب ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مصادر المياه في جبل كسو وسوق كتمت.

واتهم عثمان الجيش السوداني بتنفيذ تلك الضربات، مشيرًا إلى مقتل ثمانية معدّنين وإصابة آخرين في إحدى الهجمات.

وفي نوفمبر 2025، نقل الموقع عن ثلاثة عمال وصلوا إلى وادي حلفا أن قوات الدعم السريع طردت العاملين من بعض المناجم خلال أكتوبر، واستولت على مواقع التعدين.

وقال المعدّن محمد عيسى شرف الدين إن قوة مسلحة طوقت مناطق العمل، وأمهلت الموجودين أسبوعًا للمغادرة عبر الحدود المصرية.

كما تحدثت شهادات أخرى عن نزوح مجموعات كبيرة عقب استهداف بئر «أم الخير»، أحد مصادر المياه الرئيسية للمناجم.

وتكشف هذه الشهادات عن حجم المخاطر التي واجهها العاملون في التعدين، بعدما تحولت مصادر رزقهم إلى مواقع عسكرية واقتصادية متنازع عليها.

 

عودة الإنتاج.. الذهب مقابل الحماية وحصص الأرباح

رغم الاضطرابات الأمنية، عاد النشاط التعديني تدريجيًا إلى بعض مناطق المثلث في أبريل 2026، بعدما سمحت قوات الدعم السريع للتجار والمستثمرين باستئناف العمل.

وكشف تحقيق نشره «دارفور 24» عن ترتيبات جديدة لتشغيل المناجم، تقوم على تقاسم حصص الإنتاج بين المستثمرين والعاملين، بالتزامن مع إعادة تشغيل طواحين معالجة الأحجار واستخدام الزئبق لاستخلاص الذهب.

وقال المعدّن وليد أبكر إن العمل استؤنف وفق اتفاقات لتوزيع الإنتاج، بينما أوضح المعدّن إسحق إبراهيم أن شركة مرتبطة بالدعم السريع بدأت شراء «الكارتة»، وهي مخلفات الأحجار الناتجة عن عمليات استخراج الذهب، لإعادة معالجتها مقابل حصة من المعدن المستخلص.

وتحدث تاجر محلي عن تفاهمات مع القوات المسيطرة لتأمين الأسواق والمناجم والحد من عمليات النهب والاختطاف.

كما عادت بعض محال الصاغة والمطاعم ومتاجر المواد الغذائية إلى العمل بصورة محدودة، بالتزامن مع استئناف وصول البضائع من مدينة الكفرة الليبية.

ووفق شهادات نقلها الموقع، تولى قيادة قوات الدعم السريع في المنطقة عبد الله أبكر باشا، المعروف باسم «عبد الله قروش».

وتشير هذه الترتيبات إلى تحول السيطرة العسكرية على المناجم إلى مصدر محتمل للعائدات، عبر حصص الإنتاج ومعالجة مخلفات التعدين والرسوم المرتبطة بالحماية والتجارة.

لكن حجم الإيرادات التي تحصل عليها قوات الدعم السريع لا يزال غير معروف، كما لم تُكشف بصورة مستقلة هوية الشركة التي تشتري مخلفات الذهب أو نسب تقاسم الأرباح.

 

الكفرة الليبية.. بوابة الذهب والسلاح والوقود

تُعد مدينة الكفرة في جنوب شرق ليبيا إحدى أهم المحطات المرتبطة بالتجارة العابرة للحدود بين السودان وليبيا وتشاد.

فموقع المدينة يجعلها نقطة التقاء لطرق نقل البضائع والوقود والمهاجرين والذهب، فضلًا عن المسارات التي تستخدمها الجماعات المسلحة.

وبحسب تحقيقات منصة «أتر»، كانت القوافل التجارية تتحرك من مدن دارفور، بينها نيالا والفاشر، عبر كبكابية وكتم والعوينات وصولًا إلى الكفرة.

لكن الحرب أدت إلى تغير هذه الطرق، مع تحول بعض الحركة نحو مسارات بديلة تخضع لنقاط تفتيش تديرها القوات المسيطرة.

وفي يناير 2026، نقل «دارفور 24» عن مصادر في شمال دارفور استئناف الحركة التجارية بين بلدة المالحة السودانية والكفرة، عبر طريق يمر بواحة ربيانة والمثلث الحدودي.

وقال تجار إن عشرات الأشخاص كانوا يتحركون أسبوعيًا لجلب الوقود والمواد الغذائية باستخدام مركبات صغيرة، بينما ظلت حركة الشاحنات الثقيلة تواجه صعوبات أمنية ولوجستية.

ولا تقتصر أهمية هذه الطرق على التجارة المدنية، إذ تمثل كذلك مسارات محتملة لنقل المعدات والمركبات والوقود إلى أطراف الحرب السودانية.

وهنا تتداخل المصالح التجارية مع السيطرة العسكرية، حيث تصبح القدرة على تأمين الطريق أو فرض الرسوم عليه مصدرًا للنفوذ والعائدات.

 

"سبل السلام".. التشكيل الليبي الذي ظهر في تحقيقات الأمم المتحدة

تبرز كتيبة «سبل السلام»، التي يقودها عبد الرحمن هاشم الكيلاني، باعتبارها إحدى أبرز التشكيلات المسلحة الناشطة في محيط الكفرة.

وترتبط الكتيبة بقوات خليفة حفتر وبشبكات نفوذ محلية في جنوب شرق ليبيا.

وبحسب دراسة نشرها معهد «تشاتام هاوس» في فبراير 2025، تدير الكتيبة نقاط تفتيش على طرق التجارة والعبور، وتشارك في ترتيبات محلية لتحصيل الرسوم.

وأشارت الدراسة إلى وجود نظام لتوزيع الإيرادات أُنشئ عام 2017 عبر «صندوق إعمار الكفرة»، تحصل بموجبه الكتيبة على نصف العائدات مقابل الخدمات الأمنية والجباية، فيما يخصص النصف الآخر للمجلس المحلي.

لكن الدور الأكثر حساسية للكتيبة ظهر في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا، الصادر في 24 مارس 2026.

فبحسب ما ورد في التقرير، عززت «سبل السلام» سيطرتها على خطوط إمداد قوات الدعم السريع خلال الفترة من يناير 2025 إلى مطلع 2026، بموافقة ضمنية من القيادة العسكرية التابعة لحفتر.

ووثّق الخبراء توفير مقاتلين ومرافقة عسكرية ووقود وقطع غيار للمركبات خلال العمليات التي انتهت بسيطرة الدعم السريع على المثلث.

كما أشار التقرير إلى استخدام منشآت في محيط الكفرة لنقل مقاتلين كولومبيين ومعدات ومركبات عسكرية باتجاه السودان.

وتُعطي هذه النتائج بعدًا جديدًا للاتهامات السودانية بشأن دور تشكيلات ليبية في الحرب، مع ضرورة التمييز بين ما وثقه الخبراء عن أنشطة الكتيبة، وبين إثبات صدور أوامر مباشرة من حفتر شخصيًا بكل عملية إمداد.

 

ذهب الحرب.. من الصحراء السودانية إلى دبي وإسطنبول

لا تنتهي رحلة الذهب عند مناجم المثلث، بل تمتد عبر شبكات تجارية وطرق تهريب إلى أسواق إقليمية ودولية.

وبحسب شهادات معدّنين نشرها «دارفور 24»، كان جزء كبير من إنتاج المنطقة يُنقل إلى ليبيا ومصر، بسبب ارتفاع العائدات مقارنة بالبيع في الأسواق السودانية الداخلية.

وتؤدي ليبيا دورًا مهمًا في هذه الشبكات، حيث يُجمع الذهب القادم من مناطق التعدين السودانية والتشادية قبل نقله إلى أسواق خارجية.

ووفق دراسة الباحثين أحمد سليمان وسليمان بلدو، شارك قادة من تشكيلات مسلحة تابعة لحفتر في شبكات مرتبطة بتجارة الذهب، مع استخدام رحلات جوية إلى إسطنبول ودبي، ومسارات تمر عبر مطاري مصراتة ومعيتيقة.

وفي سبتمبر 2024، أعلن جهاز الأمن الداخلي الليبي إحباط محاولة تهريب 100.8 كيلوجرام من الذهب و1.5 مليون يورو داخل أربع حقائب بمطار مصراتة، على متن رحلة متجهة إلى تركيا.

وتوضح هذه الواقعة طبيعة بعض قنوات التهريب الجوي المستخدمة في نقل الذهب والأموال عبر ليبيا.

لكن تحديد الكميات التي وصلت بالفعل من مناجم المثلث إلى مشترين بعينهم يحتاج إلى سجلات شحن ومعاملات مالية يمكن تتبعها.

 

عقوبات أمريكية تكشف شبكات تمويل حميدتي

في 7 يناير 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إلى جانب شركات وأفراد قالت إنهم يرتبطون بشبكات تمويل قواته.

وشملت العقوبات رجل الأعمال السوداني أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، مالك ومدير مجموعة «كابيتال تاب القابضة» التي تتخذ من الإمارات مقرًا لها.

وقالت الخزانة الأمريكية إن المجموعة قدمت أموالًا ومعدات عسكرية لقوات الدعم السريع.

كما شملت العقوبات شركة «الزمرد والياقوت للذهب والمجوهرات»، المعروفة باسم «AZ Gold»، التي تديرها الشخصية نفسها.

ووفق الوزارة الأمريكية، اشترت الشركة ذهبًا من السودان ونقلته إلى دبي، ورجحت أن عمليات الشراء جرت لمصلحة الدعم السريع.

وأشارت كذلك إلى أن القوني حمدان دقلو، شقيق حميدتي والمسؤول عن مشتريات القوات، كان يستطيع الوصول إلى حساب مصرفي تابع للشركة في الإمارات، يحتوي على ملايين الدولارات.

وضمت الشبكة شركة «الجيل القادم للتجارة العامة»، التي كان عبد الرحيم حمدان دقلو، شقيق حميدتي ونائب قائد الدعم السريع، مساهمًا أقلية فيها سابقًا.

وتكشف هذه العقوبات عن ارتباط تجارة الذهب بشبكات تمويل عابرة للحدود، وإن كانت لا تثبت بمفردها أن جميع الشركات المعاقبة اشترت ذهبًا مستخرجًا من المثلث الحدودي تحديدًا.

 

بريطانيا توسع العقوبات.. الذهب يمول طرفي الحرب

لم تقتصر الإجراءات الدولية على العقوبات الأمريكية، ففي 16 يوليو 2026، وسّعت بريطانيا عقوباتها المرتبطة باقتصاد الحرب السودانية، مستهدفة 11 شخصًا وكيانًا قالت إنهم يرتبطون بشبكات التمويل والمشتريات والتجارة الخاصة بأطراف القتال.

وشملت الإجراءات شخصيات وشركات اتهمتها لندن بالمساعدة في توفير الإمدادات والمعاملات المالية لقوات الدعم السريع.

كما امتدت إلى جهات ربطتها الحكومة البريطانية بمشتريات الجيش السوداني ومنظومة الصناعات الدفاعية، إلى جانب شركات تعدين سودانية مملوكة للدولة.

وتكشف هذه الإجراءات عن أن اقتصاد الحرب لا يقتصر على طرف واحد، بل يشمل شبكات تمويل وتجارة وإمداد تستفيد من استمرار الصراع.

وفي يوليو 2026، أقر الاتحاد الأوروبي إجراءات لحظر شراء الذهب ذي المنشأ السوداني أو استيراده أو نقله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يشمل حالات مروره عبر دول ثالثة وفق نطاق الحظر المعلن.

كما شملت الإجراءات قيودًا على توريد مواد تستخدم في استخلاص الذهب، بينها الزئبق وسيانيد الصوديوم.

وتستهدف هذه السياسات الحد من تدفق الموارد إلى شبكات اقتصاد الحرب، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتتبع منشأ الذهب ومنع إعادة تصديره عبر الوسطاء.

 

مصر وجهة رئيسية للذهب السوداني.. تجارة رسمية ومسارات غير معلنة

أدت الحرب وتغير العلاقات السودانية الإماراتية إلى تحولات في وجهات صادرات الذهب السوداني.

وبحسب بيانات للبنك المركزي السوداني نُشرت مطلع أبريل 2026، تراجعت الشحنات الرسمية المتجهة مباشرة إلى الإمارات خلال عام 2025، بينما برزت مصر وجهة رئيسية للصادرات.

وجاء هذا التحول بالتزامن مع اضطراب خطوط النقل المباشر وتنامي دور الوسطاء والأسواق المجاورة.

وتشير دراسة «تشاتام هاوس» إلى أن الفوارق السعرية بين السوقين المصرية والسودانية أسهمت في تعزيز جاذبية نقل الذهب إلى مصر.

وقدّر الباحثان سليمان وبلدو أن نحو 60% من إنتاج ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر كان يتجه إلى مصر عبر التجارة غير الرسمية والتهريب خلال الفترة التي تناولتها الدراسة.

كما أشارا إلى أن سعر جرام الذهب عيار 21 بلغ نحو 85 دولارًا في مصر خلال أكتوبر 2024، مقابل ما بين 55 و60 دولارًا في السودان، وفق المقارنة الواردة في الدراسة.

وإلى جانب الفوارق السعرية، تُستخدم عائدات الذهب في شراء الوقود والمواد الغذائية ومستلزمات التعدين وإعادة نقلها إلى السودان.

وبحسب بيانات أعلنتها الشركة السودانية للموارد المعدنية في 6 أكتوبر 2026، بلغت قيمة صادرات الذهب السوداني المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نحو 2.292 مليار دولار.

كما وصلت الإيرادات الحكومية المحصلة إلى نحو 1.886 تريليون جنيه سوداني، متجاوزة المستهدف بنسبة 31%.

وتبرز هذه الأرقام الأهمية المالية للذهب في الاقتصاد السوداني، رغم استمرار الفجوة بين الإنتاج الفعلي والكميات التي تمر عبر القنوات الرسمية.

لكن وجود مصر ضمن الوجهات الرئيسية للذهب السوداني لا يعني أن جميع الواردات إليها غير مشروعة، أو أنها مرتبطة بقوات الدعم السريع؛ إذ يتطلب إثبات ذلك تتبع منشأ الشحنات وأطراف المعاملات.

 

القاهرة وحفتر.. علاقة تثير أسئلة صعبة!!

تضع التطورات في المثلث الحدودي السياسة المصرية أمام معادلة معقدة.

فالقاهرة تعلن دعمها لوحدة السودان ومؤسساته الرسمية، وترفض إنشاء كيانات موازية، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.

وفي المقابل، تحافظ على علاقات سياسية وأمنية قوية مع خليفة حفتر، رغم ما وثقه خبراء الأمم المتحدة بشأن دور تشكيلات مرتبطة بقواته في تسهيل إمدادات الدعم السريع.

وفي 30 يونيو 2025، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على سقوط المثلث، استقبل عبد الفتاح السيسي خليفة حفتر في مدينة العلمين، بحضور نجليه خالد وصدام، ومدير المخابرات العامة المصرية حسن رشاد.

وبحث اللقاء التنسيق الأمني وتطورات الأوضاع في ليبيا، قبل أن يستقبل السيسي البرهان في اليوم نفسه لمناقشة مستجدات الحرب السودانية والتعاون الثنائي.

واستمرت اللقاءات خلال عام 2026، إذ استقبل السيسي حفتر مجددًا في 19 أغسطس، بحضور نجليه خالد وبلقاسم.

وفي 4 أكتوبر، استضاف السيسي البرهان بمدينة العلمين الجديدة ضمن قمة رباعية ضمت كذلك الرئيس الإريتري أسياس أفورقي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود.

وأكد «إعلان العلمين»، بحسب المادة المنشورة، احترام سيادة الدول ووحدتها ورفض دعم المرتزقة والكيانات الموازية.

وتثير هذه العلاقات تساؤلات بشأن مدى قدرة القاهرة على التأثير في حركة الإمدادات العابرة من الكفرة إلى السودان، ومدى انعكاس تعاونها مع حفتر على موقفها الداعم للجيش السوداني.

لكن استمرار العلاقات المصرية مع حفتر لا يثبت بحد ذاته علم القاهرة بكل أنشطة التشكيلات المرتبطة به، أو موافقتها على عمليات إمداد الدعم السريع.

 

تعزيز الوجود العسكري المصري قرب الحدود

تزايد القلق المصري مع تمدد قوات الدعم السريع في المناطق القريبة من الحدود الجنوبية والغربية.

وفي 18 ديسمبر 2025، أعلنت الرئاسة المصرية، عقب استقبال السيسي للبرهان، أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته ومنع إنشاء كيانات موازية يمثل خطوطًا حمراء تمس الأمن القومي المصري.

وأكدت القاهرة احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات التي يتيحها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين لحماية مصالحها.

وتزامن هذا الموقف مع تقارير عن تعزيز القدرات العسكرية المصرية قرب الحدود السودانية.

ففي تحقيق نُشر في 2 فبراير 2026، أظهرت صور أقمار صناعية وفرتها شركة «فانتور» الأمريكية وجود طائرات مسيّرة تركية الصنع من طراز «بيرقدار أقنجي» في مطار شرق العوينات المصري.

ويقع المطار على مسافة تقارب 60 كيلومترًا من الحدود السودانية، وشهد أعمال توسعة وتجديد خلال عام 2025.

ونقل التحقيق عن مسئولين أمنيين مصريين، طلبا عدم كشف هويتيهما، أن القاهرة زوّدت مطارين في جنوب البلاد بمعدات عسكرية لحماية الحدود وتنفيذ عمليات تتعلق بالأمن القومي.

كما وردت معلومات عن ضربة نُسبت إلى الطيران المصري استهدفت قافلة لقوات الدعم السريع قرب المثلث في يناير 2026.

وتعكس هذه التطورات تنامي الأهمية الأمنية للحدود الجنوبية والغربية، في ظل تحول الطرق الصحراوية إلى مسارات محتملة لنقل السلاح والمقاتلين.

 

حملة عسكرية مصرية ضد التعدين والتهريب

لم تقتصر التحركات المصرية على تعزيز الوجود العسكري، بل شملت حملات أمنية ضد أنشطة التنقيب غير المرخص والتهريب في المناطق الحدودية.

ففي 22 يونيو 2026، أعلن الجيش المصري تنفيذ حملة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية، استهدفت شبكات التنقيب غير المرخص عن الذهب والتهريب والهجرة غير النظامية.

وبحسب البيان العسكري، أسفرت الحملة عن توقيف 223 شخصًا، بينهم 87 مصريًا و136 أجنبيًا، إلى جانب ضبط معدات تعدين ومركبات وأسلحة.

وجاءت هذه العمليات بالتزامن مع شكاوى منقبين سودانيين من الاعتقالات والترحيل، واتهامات بوقوع غارات على بعض مواقع التعدين.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع التداخل بين ملف حماية الحدود ومكافحة التهريب من جهة، والنشاط الاقتصادي الذي تعتمد عليه مجموعات من المنقبين والعاملين في المناطق الصحراوية من جهة أخرى.

كما تثير تساؤلات بشأن الضمانات القانونية والإنسانية اللازمة لحماية المدنيين أثناء العمليات الأمنية، خصوصًا في المناطق التي يصعب فيها التحقق المستقل من الوقائع.

 

غارات أكتوبر.. عشرات القتلى واتهامات للطيران المصري

بلغ التوتر مستوى جديدًا في 10 أكتوبر 2026، عندما تعرضت مواقع للتنقيب عن الذهب في منطقة جبل العقيدات، قرب سوق الأنصاري على الحدود السودانية المصرية، لغارات جوية أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، وهي تجمع مهني طبي، مقتل 13 منقبًا وإصابة 28 آخرين.

في المقابل، قدرت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية السودانية عدد القتلى بنحو 72 شخصًا، واتهمت الطيران المصري بتنفيذ الهجوم.

ونقلت صحيفة «سودان تربيون» في 11 أكتوبر شهادات ثلاثة ناجين قدروا حصيلة القتلى بأكثر من 200 شخص، وسط صعوبات في انتشال الجثث ونقل المصابين.

ويكشف هذا التباين الكبير في الأرقام عن صعوبة توثيق الخسائر البشرية في المناطق الصحراوية النائية، خصوصًا مع محدودية الوصول الطبي والإعلامي.

كما أن الاتهامات الموجهة إلى الطيران المصري لا تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل يحدد هوية الطائرات المنفذة، وطبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، وعدد الضحايا المدنيين.

ومن المهم التمييز بين موقع الغارات في جبل العقيدات، الذي يقع في نطاق من الحدود السودانية المصرية، وبين مثلث العوينات عند التقاء حدود السودان ومصر وليبيا.

ورغم اختلاف الموقعين جغرافيًا، فإن الحوادث تكشف عن تصاعد التوتر المرتبط بمناجم الذهب وضبط الحدود، بالتزامن مع استمرار الحرب على طرق الإمداد والتجارة.

 

من المستفيد من ذهب السودان؟

تكشف الوقائع والشهادات والتحقيقات التي تناولت المثلث الحدودي عن شبكة معقدة من المصالح المرتبطة بإنتاج الذهب ونقله وتسويقه.

فعلى المستوى المحلي، تستفيد القوى المسيطرة على المناجم والطرق من ترتيبات تقاسم الإنتاج ورسوم الحماية والعبور.

وعلى المستوى الإقليمي، تتحرك شبكات التجار والوسطاء عبر الحدود السودانية والليبية والمصرية، مستفيدة من الفوارق السعرية واضطراب المؤسسات الرسمية.

أما على المستوى الدولي، فتظهر شركات وأسواق خارجية ضمن سلاسل تجارة الذهب، بعضها ارتبط بعقوبات أمريكية وبريطانية بسبب اتهامات بتمويل أطراف الحرب.

وتكشف هذه المنظومة عن تحول الذهب من مورد اقتصادي يمكن أن يدعم الخزانة السودانية إلى مصدر دخل محتمل للقوى المسلحة وشبكات التهريب.

لكن تحديد المستفيد النهائي من ذهب المثلث يتطلب معلومات لا تزال غير متاحة بصورة كاملة، بينها حجم الإنتاج الفعلي، ونسب العائدات التي تحصل عليها القوات المسيطرة، وهوية الشركات التي تعالج المخلفات، وسجلات الشحن والتصدير.

 

ذهب يمول الحرب وحدود مهددة بالانفجار

لم يعد الصراع على المثلث الحدودي مجرد مواجهة عسكرية للسيطرة على مساحة صحراوية نائية، بل أصبح صراعًا على طرق الإمداد والثروات والقدرة على تمويل العمليات العسكرية.

فمن يسيطر على المناجم والطرق المؤدية إليها يستطيع التأثير في حركة الذهب والوقود والبضائع، وربما في خطوط نقل المقاتلين والمعدات.

وتضع هذه المعادلة مصر أمام تحديات متشابكة، تتعلق بحماية حدودها، ومنع تمدد الجماعات المسلحة، والحفاظ على علاقاتها الإقليمية، والتعامل مع تداعيات الحرب السودانية.

وفي الوقت نفسه، يتحمل المدنيون والمنقبون عن الذهب جانبًا كبيرًا من الخسائر، بعدما تحولت مناطق العمل إلى ساحات للنزاع، وأصبحت مصادر المياه وطرق التجارة والمناجم أهدافًا محتملة للعمليات العسكرية.

وبين ذهب يُستخرج تحت سلطة السلاح، وشبكات تهريب تمتد من السودان إلى ليبيا ومصر وصولًا إلى الأسواق الخارجية، وعلاقات إقليمية تتداخل فيها التحالفات والمصالح، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدول المعنية تفكيك اقتصاد الحرب واستعادة السيطرة القانونية على الثروات والحدود، أم سيظل الذهب السوداني وقودًا لصراع يدفع المدنيون ثمنه بينما تتوزع عائداته بين المليشيات والتجار والوسطاء؟