أثار مقال للكاتب والأكاديمي الدكتور أيمن منصور ندا، تناول فيه تجربة الرئيس الشهيد محمد مرسي، جدلاً حول مسؤولية أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً عن إخفاقات فترة حكمه، وحدود الدور الذي لعبته مؤسسات الدولة والجيش والقوى السياسية في إنهاء تلك التجربة، وما إذا كان من الإنصاف تحميل رئيس حكم عاماً واحداً مسؤولية إغلاق الطريق أمام وصول المدنيين إلى السلطة مجدداً.
ويعيد هذا الجدل طرح أسئلة تتجاوز شخصية مرسي وانتماءه إلى جماعة الإخوان المسلمين، لتصل إلى طبيعة الدولة المصرية، وحدود السلطة التي امتلكها الرئيس المنتخب، والعلاقة بين الشرعية المستمدة من صناديق الاقتراع ومراكز القوة التي احتفظت بنفوذها داخل مؤسسات الحكم.
وتنطلق القراءة النقدية للمقال من أن محاسبة مرسي على قراراته وأخطائه السياسية أمر مشروع، لكنها تصبح محاسبة منقوصة عندما تتجاهل أدوار الأطراف الأخرى التي شاركت في الصراع على السلطة، أو تعاملت مع الرئيس المنتخب باعتباره طرفاً يمكن إقصاؤه خارج الآليات الدستورية.
اختزال مرسي في انتمائه للإخوان
تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف مع طرح أيمن منصور ندا في الطريقة التي جرى بها تفسير شخصية محمد مرسي ومسيرته السياسية، عبر التركيز على انتمائه التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، باعتباره المفتاح الأساسي لفهم قراراته وسلوكه في الرئاسة.
غير أن هذه القراءة، وفق منتقديها، تتجاهل جوانب مهمة من السيرة المهنية والسياسية للرئيس الراحل.
فقد تخرج مرسي في جامعة القاهرة، وعمل أستاذاً جامعياً، وخاض تجربة العمل البرلماني بين عامي 2000 و2005، وتولى قيادة الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، قبل أن يصبح رئيساً لحزب الحرية والعدالة.
وخلال وجوده في البرلمان، شارك في ممارسة العمل الرقابي وطرح الاستجوابات المتعلقة بأداء الحكومة، ومنها ما ارتبط بكارثة قطار الصعيد.
ورغم أن هذه الخبرات لا تكفي وحدها للحكم على كفاءة أي رئيس، فإنها تجعل اختزال مرسي في صورة رجل تنظيم يفتقر إلى المعرفة بالمؤسسات والحياة العامة اختزالاً يحتاج إلى مراجعة.
وتطرح القراءة النقدية تساؤلاً بشأن مفهوم التأهيل للحكم في مصر: هل تقتصر الخبرة اللازمة لتولي الرئاسة على العمل داخل المؤسسة العسكرية أو دوائر السلطة التقليدية، أم يمكن أن تتشكل أيضاً من خلال الجامعات والبرلمان والأحزاب والانتخابات؟
ويكتسب السؤال أهميته بالنظر إلى أن ثورة يناير 2011 فتحت، ولو لفترة محدودة، المجال أمام وصول شخصيات من خارج المؤسسة العسكرية إلى أعلى منصب في الدولة.
الانتماء الحزبي لا يعني بالضرورة التبعية التنظيمية
يتوقف الخلاف كذلك عند العلاقة بين الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، وما إذا كان انتماؤه السابق إليها يعني بالضرورة خضوع قراراته الرئاسية لمكتب الإرشاد.
ففي النظم الديمقراطية، يصل كثير من الرؤساء ورؤساء الحكومات إلى السلطة عبر أحزاب سياسية، ويتبنون برامجها الانتخابية، ويستعينون بقياداتها وخبرائها في إدارة شؤون الحكم.
ولا يمثل ذلك، في حد ذاته، دليلاً على أن الحزب أصبح سلطة فوق مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن إثبات خضوع مرسي لتوجيهات تنظيمية خارج مؤسسة الرئاسة يتطلب تحديد قرارات بعينها، والكشف عن الجهات التي صاغتها، وكيفية انتقال التعليمات من التنظيم إلى مؤسسات الحكم.
أما الاستناد إلى الانتماء الفكري أو التاريخ التنظيمي وحده، فلا يكفي لإثبات أن الرئيس فقد استقلالية قراره.
وتشير القراءة النقدية إلى أن مرسي غادر موقعه في مكتب الإرشاد عند انتقاله إلى قيادة حزب الحرية والعدالة عام 2011، ثم ترك رئاسة الحزب بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية في يونيو 2012، مع إعلان الجماعة إنهاء عضويته فيها.
ورغم أن هذه الخطوات لا تنفي احتمال استمرار التأثير غير الرسمي للجماعة، فإنها تجعل إثبات التبعية السياسية والتنظيمية مسألة تحتاج إلى أدلة تتجاوز مجرد العضوية السابقة.
أزمة الدولة العميقة.. هل امتلك مرسي سلطة الحكم فعلياً؟
من أبرز القضايا التي تثيرها المراجعة النقدية أن الرئيس محمد مرسي وصل إلى مؤسسة الرئاسة، لكنه لم يمتلك بالضرورة السيطرة الكاملة على أجهزة الدولة ومراكز القرار فيها.
فقد تولى الحكم في ظل مؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية وإدارية تشكلت خلال عقود طويلة من الحكم السابق، واحتفظت بقدر كبير من النفوذ والاستقلال عن السلطة التنفيذية الجديدة.
وكان مجلس الشعب المنتخب قد انتهى وجوده في يونيو 2012، عقب حكم المحكمة الدستورية العليا وما تلاه من إجراءات اتخذها المجلس العسكري.
كما أصدر المجلس العسكري إعلاناً دستورياً مكملاً في 17 يونيو من العام نفسه، احتفظ بموجبه بصلاحيات تشريعية وفرض قيوداً على سلطات الرئيس المقبل.
وفي 12 أغسطس 2012، ألغى مرسي ذلك الإعلان، في خطوة عكست الصراع المبكر على توزيع الصلاحيات بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية.
وتطرح هذه الوقائع سؤالاً محورياً: إلى أي مدى يمكن تحميل الرئيس المنتخب المسؤولية الكاملة عن أداء دولة لم تكن جميع مؤسساتها خاضعة فعلياً لتوجيهاته؟
ولا يعني ذلك إعفاء مرسي من المسؤولية عن قراراته أو إخفاقاته، لكنه يستدعي، وفق القراءة النقدية، توزيع المسؤولية السياسية بما يتناسب مع السلطات الفعلية التي امتلكها كل طرف.
الإعلان الدستوري.. خطأ سياسي أم مواجهة مع مؤسسات الدولة؟
لا تتجاهل القراءة النقدية الأخطاء التي ارتكبها محمد مرسي، وفي مقدمتها الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، الذي أثار أزمة سياسية وقانونية واسعة.
فقد تضمن الإعلان تحصيناً لقرارات رئاسية من الطعن القضائي، وهو إجراء أثار اعتراضات تتعلق بالفصل بين السلطات والرقابة على القرارات التنفيذية.
لكن منتقدي مقال أيمن منصور ندا يرون أن تناول الأزمة باعتبارها مجرد نتيجة لغرور الرئيس أو مبالغته في تقدير قوته يتجاهل السياق السياسي والدستوري الذي سبقها.
فقد كان الصراع قائماً بالفعل بشأن صلاحيات الرئاسة ومستقبل المؤسسات المنتخبة، وسط مخاوف لدى أنصار مرسي من تعطيل المسار الدستوري أو حل مؤسسات جديدة.
ومع ذلك، فإن وجود هذه المخاوف لا يمنح أي رئيس الحق في تحصين قراراته من الرقابة القضائية.
ومن ثم، فإن التقييم المنصف يستدعي مناقشة حجم التهديدات التي واجهتها الرئاسة، والبدائل التي كانت متاحة، ومدى تناسب الإجراءات المتخذة مع طبيعة الأزمة.
اتهامات الأخوّنة بين الوقائع والانطباعات
تحتل قضية ما عُرف إعلامياً بـ"أخونة الدولة" موقعاً مهماً في الجدل بشأن تجربة مرسي.
وتشير القراءة النقدية إلى ضرورة التمييز بين تعيين شخصيات تنتمي إلى حزب الرئيس في مواقع سياسية، وبين استخدام مؤسسات الدولة لخدمة تنظيم حزبي على حساب المصلحة العامة.
فالتعيينات الحزبية ليست ظاهرة استثنائية في الأنظمة السياسية، لكن مشروعيتها ترتبط بطبيعة المناصب، وكفاءة الأشخاص، واحترام القوانين، وعدم تحويل الأجهزة العامة إلى أدوات لخدمة الحزب الحاكم.
ولهذا فإن تقييم اتهامات الأخونة يستلزم فحص التعيينات والقرارات والاختصاصات، بدلاً من الاكتفاء بالانطباعات العامة أو المخاوف المرتبطة بالهوية الفكرية والدينية للمسؤولين.
ولا يعني ذلك التقليل من مخاوف قطاعات اجتماعية وسياسية من توجهات الإخوان المسلمين، وإنما التمييز بين المخاوف السياسية والوقائع المثبتة التي يمكن بناء أحكام موضوعية عليها.
صناديق الانتخابات.. لماذا يُختزل ناخبو مرسي في الجماعة؟
تثير القراءة النقدية إشكالية أخرى تتعلق بتفسير نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2012.
فقد فاز الرئيس الشهيد محمد مرسي رسمياً بنسبة 51.73% من الأصوات الصحيحة في الجولة الثانية أمام أحمد شفيق.
وشارك في التصويت له مواطنون من خارج جماعة الإخوان المسلمين، بعضهم أيده سياسياً، وبعضهم اختاره رفضاً لعودة أحد رموز نظام حسني مبارك إلى الرئاسة.
وترى القراءة النقدية أن اختزال هذا التصويت في القوة التنظيمية للإخوان يتجاهل الإرادة السياسية للملايين الذين شاركوا في الانتخابات.
فالتصويت ضد مرشح لا يفقد الصوت الانتخابي قيمته القانونية أو السياسية، كما أن اختلاف دوافع الناخبين لا ينفي مشروعية النتيجة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الاحتجاجات الواسعة التي خرجت ضد مرسي في عام 2013، أو اختزال المشاركين فيها في تيار سياسي واحد.
لكن الاعتراف بحقيقة تلك الاحتجاجات لا يلغي أن المؤسسة العسكرية هي التي اتخذت قرار عزل الرئيس وتعليق العمل بالدستور.
وهنا يظهر الفرق بين الاحتجاج الشعبي باعتباره ممارسة سياسية، وبين تدخل الجيش لتغيير السلطة خارج الإجراءات الدستورية.
من أسقط مرسي.. الشارع أم الجيش؟
يمثل توصيف أحداث الثالث من يوليو 2013 إحدى أكثر القضايا حساسية في تقييم التجربة.
فبينما يستند مؤيدو تدخل الجيش إلى الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة التي سبقت الانقلاب على الرئيس مرسي، يؤكد المعارضون أن المؤسسة العسكرية هي التي حسمت الصراع السياسي وواعتقلت الرئيس المنتخب من جانب اللواء محمد زكى ، رئيس الحرس الجمهورى،وهو المفترض المسئول عن حمايته وليس اعتقتاله.
وتعتبر القراءة النقدية أن الخلط بين الاحتجاجات الشعبية والقرار العسكري يؤدي إلى تغييب المسؤولية المباشرة عن إنهاء المسار الدستوري.
فالاحتجاجات ضد رئيس منتخب، مهما اتسع نطاقها، لا تمنح المؤسسة العسكرية تلقائياً سلطة الحلول محل الناخبين أو تغيير قواعد انتقال السلطة.
وتؤكد هذه المقاربة أن الديمقراطية لا تعني منح الرئيس حصانة ضد النقد والمحاسبة، لكنها في الوقت نفسه لا تجعل استمرار الرئيس مرهوناً برضا المؤسسة الأقوى في الدولة.
وتبرز هنا إشكالية تتجاوز تجربة مرسي: هل تصبح الشرعية الانتخابية قابلة للإلغاء بقرار من مؤسسة غير منتخبة عندما تتفاقم الأزمة السياسية؟
هل تتحمل تجربة مرسي مسؤولية إغلاق الباب أمام الحكم المدني؟
من أكثر الأفكار التي تواجه اعتراضاً في مقال أيمن منصور ندا الربط بين تعثر تجربة محمد مرسي ومستقبل وصول المدنيين إلى الرئاسة المصرية.
وتعتبر القراءة النقدية أن تحميل تجربة رئيس واحد مسؤولية فشل فكرة الحكم المدني يمثل حكماً غير متوازن، خاصة أن مصر شهدت تجارب متعاقبة لرؤساء ينتمون إلى المؤسسة العسكرية، دون أن يؤدي الإخفاق في أي منها إلى استبعاد العسكريين من المنافسة على الرئاسة.
فإذا كان معيار الأهلية للحكم هو نجاح التجربة السابقة، فإن تطبيقه بصورة متساوية يقتضي مساءلة جميع أنماط الحكم، وليس التجربة المدنية وحدها.
كما أن فشل رئيس منتخب، أو تراجع شعبيته، لا يعني أن المواطنين فقدوا حقهم في انتخاب رئيس آخر من خارج المؤسسة العسكرية.
وتشير القراءة إلى أن فرص البدائل السياسية تتأثر أيضاً بحرية العمل الحزبي والإعلامي، وشروط المنافسة الانتخابية، وقدرة القوى السياسية على التنظيم والوصول إلى المواطنين.
ومن ثم، فإن الحديث عن تفضيل المصريين للحكم العسكري أو المدني لا يمكن فصله عن طبيعة البيئة السياسية التي تتشكل فيها هذه التفضيلات.
السجون ورابعة.. مسؤولية لا يمكن تجاوزها
يتسع الخلاف مع المقال ليشمل طريقة تناول ما تعرض له الإخوان المسلمون وأنصار مرسي عقب الانقلاب على الرئيس المنتحب.
فبينما يمكن مناقشة كيفية توظيف الجماعة لمعاناتها السياسية، أو تأثير السجون في خطابها ومواقفها، فإن ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات التي وقعت.
وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مقتل ما لا يقل عن 817 شخصاً خلال فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013، في واحدة من أكثر وقائع العنف السياسي دموية في تاريخ مصر الحديث.
وترى القراءة النقدية أن مناقشة تجربة الإخوان بعد الثالث من يوليو لا تكتمل دون التوقف أمام هذه الوقائع، وما تثيره من أسئلة بشأن استخدام القوة والمحاسبة والمسؤولية السياسية والقانونية.
كما أن نقد أداء الجماعة قبل عزل مرسي لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير لاحق لما تعرض له أعضاؤها وأنصارها من انتهاكات.
محاسبة الجميع بدلاً من تحميل طرف واحد المسؤولية
تخلص القراءة النقدية إلى أن تقييم تجربة الرئيس محمد مرسي يحتاج إلى منهج يميز بين الأخطاء التي ارتكبها الرئيس، والقرارات التي اتخذتها جماعته، والمواقف التي تبنتها المعارضة، والأدوار التي مارستها مؤسسات الدولة والجيش.
فمرسي ليس فوق النقد، ولا يمكن اعتبار كل قرار اتخذه صحيحاً لمجرد أنه جاء عبر انتخابات ديمقراطية.
وفي المقابل، لا يجوز أن يصبح فشل تجربته مبرراً لإسقاط المسؤولية عن الأطراف الأخرى، أو لإضفاء المشروعية بأثر رجعي على كل ما جرى بعد عزله.
وتبقى القضية الأوسع مرتبطة بحق المصريين في اختيار حكامهم ومحاسبتهم وتغييرهم وفق قواعد دستورية واضحة.
فإذا كان الرئيس المدني قد أخفق في إدارة بعض الملفات أو اتخذ قرارات أثارت انقساماً سياسياً، فإن ذلك لا يعني أن الحكم المدني نفسه أصبح غير صالح لمصر.
كما أن الانتماء الحزبي للرئيس لا يكفي وحده لإثبات اختطاف الدولة، مثلما لا تمنح الشعبية التي تتمتع بها أي مؤسسة حق احتكار السلطة السياسية.
وهكذا، فإن السؤال الذي تتركه تجربة الرئيس مرسي مفتوحاً لا يتعلق فقط بما إذا كان قد نجح أو فشل خلال عامه الوحيد في الحكم، وإنما بما إذا كانت الدولة المصرية قد أتاحت فعلياً لأول رئيس مدني منتخب فرصة ممارسة سلطاته، وما إذا كان إخفاق رئيس واحد يمكن أن يصبح حكماً دائماً بحرمان المدنيين من حق الوصول إلى الرئاسة.
فالخلاف حول الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي ينبغي ألا يتحول إلى خلاف حول حق المصريين في الاختيار، ولا يجوز أن تصبح أخطاء رئيس منتخب حجة لاحتكار السلطة أو إغلاق الطريق أمام تداولها.