إمبراطورية تتحدى الحكومة…ﻣﺘﺮو اﻷﻧﻔﺎق «سويقة» للباعة الجائلين

- ‎فيتقارير

مترو الأنفاق أصبح "سويقة" للباعة الجائلين فى زمن الانقلاب… عربات القطارات تحولت إلى أسواق متحركة ينتقل عبرها آلاف الباعة الجائلين غير عابئين براحة الركاب أو احترام ضوابط المرافق العامة.

وعربات السيدات، لم تعد وسيلة مواصلات فحسب، بل «مول متحرك» لبيع جهاز العروسة، تتنقل فيه البضائع من مقعد إلى آخر، ومن راكبة إلى أخرى. تقتحم العربات فتيات وسيدات يحملن حقائب ضخمة، وتبدأ النمرة اليومية بعرض المفروشات وأطقم الملابس وأدوات المطبخ، وصولًا إلى مستحضرات التجميل مجهولة المصدر.

ومع إهمال حكومة الانقلاب لهذه الظاهرة، تأسست «إمبراطورية خفية» لها ملوكها وقوانينها وخطوط إمدادها، تتحرك بين المحطات والعربات، وتفرض حضورها على الركاب فى رحلة يومية لا تخلو من الضجيج والمشاحنات، ورغم التصريحات الرسمية المتكررة من مسئولى الشركة المصرية لإدارة وتشغيل المترو وحملات شرطة النقل والمواصلات المستمرة، فإن المشهد الذى يتكرر داخل القطارات يؤكد أن هذه الحملات فشلت فى إنهاء الظاهرة.

 

كابوس يومى

حول هذه الظاهرة قالت سمر، 32 عامًا، موظفة تتردد يوميًا على الخط الأول للمترو، إن عربة السيدات تحولت إلى كابوس يومى بسبب إصرار البائعات على عرض البضائع بصورة تفرض نفسها على الراكبات.

وأضافت : إذا أرادت إحدى البائعات المرور أو طلبت إفساح الطريق، تبدأ المشاحنات والألفاظ النابية.

وطالب محمد حسن طالب بجامعة القاهرة حكومة الانقلاب بضرورة التصدى لهذه الظاهرة، مشيرا إلى أن الركاب يتعرضون للضرب والإهانة إذا اعترضوا على أسلوب الباعة الجائلين أو أصواتهم المزعجة .

وقال حسن إنه اشتبك مع أحد الباعة الجائلين ولولا وقوف الركاب معه وانهاء المشاجرة لتعرض للضرب من البائع وزملائه.

 

أسواق بالمحطات

وشدد أحمد علام موظف على ضرورة تنظيم تواجد الباعة الجائلين وإنشاء أسواق لهم داخل بعض محطات المترو بحيث يتمكنون من الحصول على دخل ولقمة عيش وفى نفس الوقت تحقيق الراحة للركاب .

وأعرب علام عن أسفه لفشل حكومة الانقلاب فى مواجهة جيوش الباعة الجائلين، مشيرا إلى أن الحملات التى تشنها الشرطة لا تستمر أكثر من دقائق وبعدها يعود الباعة الجائلون مرة أخرى وكأن شيئا لم يكن .  

 

السرّيحة

من جانبه أكد الخبير الاقتصادى الدكتور ياسر حسين سالم، أن الباعة الجائلين فى محيط محطات مترو الأنفاق وداخل القطارات يمثلون أحد فروع الاقتصاد الموازى وشبكات التجارة غير الرسمية، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة، التى يُطلق على ممارسيها مصطلح «السرّيحة»، أصبحت واسعة الانتشار، وتتطلب معالجة اقتصادية واجتماعية متكاملة لا تقتصر على المواجهة الأمنية.

وقال «سالم» فى تصريحات صحفية إن الباعة الجائلين يعتمدون فى نشاطهم على بيع سلع خفيفة الوزن وصغيرة الحجم، يسهل حملها وتداولها والبيع المباشر للجمهور، مؤكدا أن أعداد الباعة الجائلين فى مصر تُقدَّر بالملايين، وينتشر الآلاف منهم فى محطات المترو ومحيطها وداخل القطارات .

ولفت إلى أن الظاهرة أصبحت مشهدًا متكررًا فى مختلف الخطوط، سواء من خلال البيع داخل العربات أو عبر «فرش البيع» و«باكيات البيع» المنتشرة أمام مداخل المحطات، موضحا أن انتشار هذه الظاهرة يرتبط بمجموعة من الأسباب، فى مقدمتها البيروقراطية وتعقيد الإجراءات اللازمة لتأسيس المشروعات الصغيرة، فضلًا عن ارتفاع رسوم استخراج الأوراق والمستندات، وما قد يواجهه أصحاب هذه الأنشطة من ممارسات فساد تعوق دخولهم إلى الاقتصاد الرسمى.

 

تلوثً بصري وسمعى

وكشف «سالم» أن الباعة الجائلين يمثلون أحد مظاهر التشوه فى النشاط الاقتصادى، لأن البيع خارج المنظومة الرسمية يتيح لهم تقديم السلع بأسعار أقل من مثيلاتها فى المحال المرخصة، نتيجة عدم تحملهم الأعباء المرتبطة بالضرائب والسجل التجارى والتأمينات والمرافق وغيرها من تكاليف التشغيل.

وأكد أن المنافسة السعرية الناتجة عن اختلاف الأعباء لا تعكس بالضرورة اختلافًا فى كفاءة النشاط التجارى، وإنما ترتبط فى جانب كبير منها بتفاوت الالتزامات والتكاليف بين النشاط الرسمى وغير الرسمى، وهو ما ينعكس على أصحاب المحال المرخصة الذين يتحملون هذه الأعباء بصورة منتظمة.

وأشار «سالم» إلى أن انتشار البيع الجائل داخل عربات المترو ومحيط المحطات لا تقتصر آثاره على الجانب الاقتصادى، بل يمتد إلى المظهر العام وحقوق الركاب، موضحًا أن تكدس الباعة وبضائعهم يسبب تلوثًا بصريًا، بينما تؤدى الأصوات المرتفعة والمناداة المتكررة على السلع إلى التلوث السمعى.

وأضاف أن هناك جانبًا اجتماعيًا آخر للظاهرة، يتمثل فى تعاطف بعض المواطنين مع الباعة وحرصهم على شراء السلع منخفضة السعر، باعتبارها فرصة للحصول على احتياجاتهم بتكلفة أقل، وهو ما يسهم فى استمرار الطلب على هذه الأنشطة واتساع نطاقها.

 

مسار مبسط

وطرح «سالم» مجموعة من المقترحات للتعامل مع الظاهرة، فى مقدمتها إجراء حصر شامل للباعة الجائلين، وتسجيل بياناتهم الأساسية، وتحديد طبيعة النشاط الذى يمارسه كل منهم، وإنشاء قاعدة بيانات تتضمن اسم كل بائع ورقم هاتفه ومجال عمله لتنظيم هذا النشاط، ووضع آليات واضحة لدمجه فى الاقتصاد الرسمى، بدلًا من استمرار عمله بصورة عشوائية خارج المنظومة القانونية.

وطالب حكومة الانقلاب بتوفير مسار مبسط وواضح أمام أصحاب المشروعات متناهية الصغر، يسمح لهم بتقنين أوضاعهم دون تحميلهم أعباء مالية وإدارية تفوق قدراتهم، مع تبنى سياسة ضريبية واضحة للمشروعات متناهية الصغر، تتضمن إعفاءات مناسبة لطبيعتها وحجم نشاطها.

وشدد «سالم» على ضرورة تبسيط إجراءات استخراج التراخيص والمستندات، وتقليل الرسوم إلى أدنى مستوى ممكن، بما يتناسب مع حجم المشروع ورأس ماله، مشيرا إلى ضرورة وجود إجراءات واضحة وميسرة، مع إتاحة إمكانية استخراج الترخيص من خلال جهة واحدة أو منظومة مبسطة، بما يقلل الوقت والتكلفة ويشجع أصحاب الأنشطة على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمى.

ولفت الى ضرورة التوسع فى إنشاء أسواق صغيرة تضم باكيات وأماكن بيع تتناسب مع طبيعة السلع التى يتداولها الباعة الجائلون، مع إتاحة الفرصة لهم لممارسة أنشطتهم بصورة قانونية ومنظمة، مشددا على أهمية إشراكهم فى تخطيط هذه الأسواق وتصميمها، باعتبارهم الأكثر معرفة بطبيعة نشاطهم واحتياجاته.